لا تقتصر الحياة التاريخية على الكتب والمحفوظات فحسب، بل تتجسد أيضًا في روايات الناس وذكرياتهم وتعبيراتهم الفنية. وبالنسبة للشعب الآشوري، أصبح الفن وسيلة مهمة للحفاظ على الهوية والثقافة والذاكرة التاريخية. ومن بين الفنانين الذين ينقلون هذا التراث بقوة وحساسية كبيرتين نهرين مالكي.

ولدت نهرين مالكي في سوريا وتلقت تعليمها الفني في وطنها الأم. قبل 24 عامًا، غادرت سوريا واستقرت في هولندا، حيث واصلت دراستها الفنية في أكاديمية AKI للفنون في إنشيد وتخرجت عام 2011. قبل تسعة أعوام، انتقلت إلى السويد، حيث تواصل اليوم عملها الفني.

تصور نهرين مالكي، من خلال أعمالها، تجارب الناس مع الفقدان والهجرة والحزن والنجاة. وتحمل فنها آثارًا واضحة لتاريخ الشعب الآشوري والصدمات النفسية التي اضطرت أجيال عديدة إلى العيش معها. وفي الوقت نفسه، يعبر فنها عن الأمل والقدرة على الصمود والكرامة الإنسانية.

سيفو – جرح لا يزال يؤثر على أجيال

في عام 1915، تعرض الأرمن واليونانيون البونتيون والآشوريون والأقليات المسيحية الأخرى في الإمبراطورية العثمانية لاضطهاد واسع النطاق ومذابح وعمليات تهجير قسري. تُعرف هذه المأساة باسم "سيفو"، والتي تعني "السيف" باللغة الآشورية. فقد مئات الآلاف من الناس أرواحهم، وأُجبر الكثيرون على مغادرة ديارهم ومناطقهم التاريخية في بلاد ما بين النهرين.

سيفو ليست مجرد حدث تاريخي. فآثاره لا تزال حية في ذاكرة العائلات، وفي الروايات، وفي الصدمات الجماعية. ولا يزال العديد من الناجين يحملون في قلوبهم الحزن على فقدان أحبائهم، وتدمير مجتمعاتهم، وثقافتهم التي تعرضت لمحاولات منهجية للقضاء عليها.

على الرغم من ذلك، ظل الوعي بـ«سيفو» محدودًا لفترة طويلة خارج المجتمع الآشوري. ولذلك، من المهم مواصلة توثيق هذه الحقبة من التاريخ ونشرها وتعزيز فهمها.

الدور المهم للمرأة في الحفاظ على الذاكرة

يحتاج الشعب الآشوري إلى المزيد من النساء اللواتي يكتبن ويبحثن ويروين ويوثقن تاريخ «سيفو» والثقافة الآشورية. يمكن للنساء أن يلعبن دوراً حاسماً في نقل المعرفة إلى الأجيال القادمة.

عندما تتحدث النساء عن «سيفو» من منظور نسائي، تظهر تجارب ظلت طويلاً مخفية عن الأنظار. فقصص الأمهات والبنات والأسر والناجيات تخلق فهماً أعمق وتثير التعاطف لدى الناس بغض النظر عن خلفياتهم.

من خلال الأدب والصحافة والبحوث والأفلام الوثائقية والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي والفنون، يمكن للنساء المساهمة في كسر حاجز الصمت المحيط بالصدمات التاريخية. كما يمكنهن إنشاء شبكات دولية تعزز المعرفة بتاريخ الشعب الآشوري وثقافته.

الفن كشهادة

تستخدم نهرين مالكي الفن كلغة لتروي ما يصعب أحيانًا التعبير عنه بالكلمات. ويستند إبداع نهرين مالكي الفني إلى تقنية طورتها بنفسها، حيث تشكل الطباعة والطوابع والحركات المتكررة أساس العملية الإبداعية. من خلال العمل بطبقات متعددة من الألوان والأشكال والآثار، تبني نهرين مساحات تصويرية تذكرنا بالرواسب أو الطبقات الأثرية – آثار ذكريات وتجارب وقصص تظهر تدريجياً.

هذا العمل جسدي وتأملي في آن واحد. فمن خلال التكرار الإيقاعي للضغط والحركات، يتشكل لغة فنية تلتقي فيها ذاكرة الجسد مع إيقاع الطبيعة. ولا تظهر الطبيعة كمجرد موضوع أو خلفية فحسب، بل ككيان حاضر في الأعمال نفسها. وهنا ينشأ تفاعل بين الجانب البشري والحيواني، وبين المادي والروحي.

يُعد جسد المرأة، باعتباره حاملًا للصدمة والأمل في آن واحد، موضوعًا متكررًا في فن مالكي. فمن خلال لوحاتها، تسلط الضوء على كيفية استمرار تجارب الفقدان والهجرة والنجاة عبر الأجيال، ليس فقط من خلال القصص، بل أيضًا من خلال البصمات العاطفية والجسدية. تشهد أعمالها على الألم والضعف، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على سعي قوي نحو المصالحة والتضامن والكرامة الإنسانية بما يتجاوز الحدود والأديان والزمن. تصف مالكي بنفسها كيف يستكشف فنها الطبيعة الدورية للمعاناة البشرية عبر التاريخ.

على الرغم من أنها تعيش اليوم في بيئة سلمية، إلا أنها تشعر بارتباط قوي بالصراعات والانتهاكات المستمرة التي يعاني منها الناس في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في وطنها الأم. وهي تؤكد على أهمية الاعتراف بمعاناة الآخرين، وترى أن اللامبالاة تجاه الظلم تمثل مشكلة ضميرية.

في أعمالها، نلتقي غالبًا بأشخاص مجهولي الهوية في بيئات غير آمنة ومعرضة للخطر. ومن خلال الحركة والعواطف والرمزية، تخلق صورًا توثق الأحداث وتستحضر الذكريات وتفتح الباب للتأمل. وتصبح فنها مساحة تلتقي فيها الألم والذاكرة والقدرة على الصمود.

وتتميز الأعمال التي تتناول موضوع «سيفو» وتاريخ الشعب الآشوري بقوتها بشكل خاص. فالتמונות تجسد حزن الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة ديارهم، كما تعكس قوة أولئك الذين يواصلون الحفاظ على هويتهم عبر الأجيال.

تُعد لوحة نهرين مالكيس تذكيرًا حزينًا بمصير الشعب الآشوري المأساوي. فهي تصور كيف لقي أطفال آشوريون أبرياء حتفهم خلال الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1915.
تُعد لوحة نهرين مالكيس تذكيرًا حزينًا بمصير الشعب الآشوري المأساوي. فهي تصور كيف لقي أطفال آشوريون أبرياء حتفهم خلال الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1915.
الجرأة على التحدث عن الصدمة والحزن

يعد التحدث عن الصدمات التاريخية جزءًا مهمًا من عملية التعافي منها. ولا تزال العديد من العائلات تحمل في ذاكرتها قصصًا عن الخسائر والهجرة والنجاة، وهي قصص نادرًا ما حظيت بمكانة في النقاش العام.

يبدأ التعافي عندما يشعر الناس بأن أصواتهم مسموعة. ومن خلال الاستماع إلى القصص وتوثيق التجارب وخلق مساحات للحوار، يمكن للأفراد والمجتمعات على حد سواء التعامل مع الماضي.

يلعب الفن هنا دورًا فريدًا. فهو قادر على التعبير عن المشاعر التي يصعب صياغتها بالكلمات، كما أنه يخلق التفاهم عبر الحدود الثقافية واللغوية.

تجسد لوحة الفنانة الآشورية البارزة نهرين مالكي التاريخ المأساوي للشعب الآشوري ونضاله. من خلال فنها، تسلط مالكي الضوء على شعب، بلا وطن، عانى من الإبادة الجماعية والقمع والاضطهاد. فقد ملايين الأشخاص أرواحهم، واضطر الكثيرون إلى مغادرة وطنهم التاريخي، آشور، في ظل غياب حقوق الإنسان الأساسية، وذلك تذكيراً بشعب منسي وضرورة الاعتراف به.
تجسد لوحة الفنانة الآشورية البارزة نهرين مالكي التاريخ المأساوي للشعب الآشوري ونضاله. من خلال فنها، تسلط مالكي الضوء على شعب، بلا وطن، عانى من الإبادة الجماعية والقمع والاضطهاد. فقد ملايين الأشخاص أرواحهم، واضطر الكثيرون إلى مغادرة وطنهم التاريخي، آشور، في ظل غياب حقوق الإنسان الأساسية، وذلك تذكيراً بشعب منسي وضرورة الاعتراف به.
مسيرة فنية دولية

حظيت أعمال نهرين مالكيس الفنية باهتمام على الصعيدين المحلي والدولي. وقد شاركت في معارض في السويد وهولندا وألمانيا وبولندا والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية.

ومن بين المعارض الأخيرة التي شارك فيها: معرض «فورسالونغن» في ليليفالش في ستوكهولم عام 2025، ومركز نوبل للسلام في أوسلو عام 2024، والمعهد الأمريكي للسلام في واشنطن العاصمة عام 2023، بالإضافة إلى العديد من المعارض الفردية في السويد والولايات المتحدة الأمريكية.

من خلال إبداعاتها الفنية، تواصل بناء جسور بين الماضي والحاضر، وبين التجارب الشخصية والقضايا الإنسانية العالمية.

يجب أن يبقى الذكرى حية

لا تتعلق «سيفو» بالماضي فحسب، بل تتعلق بالمستقبل أيضًا. فإذا لم نروِ هذه القصة، فإنها قد تقع في غياهب النسيان.

لذلك، هناك حاجة إلى كتاب وفنانين وباحثين وصحفيين وأشخاص مهتمين بالشأن العام ليواصلوا توثيق المعرفة ونشرها. ومن الأهمية بمكان أن تشارك المزيد من النساء في دور الراويات وحاملات الثقافة.

تُظهر نهرين مالكي، من خلال عملها الفني، كيف يمكن للفن أن يصبح أرشيفًا حيًا لتاريخ شعب ما. وتُذكّرنا أعمالها بأهمية الذاكرة وحقوق الإنسان والإنسانية.

عندما ننظر إلى صورها، لا نرى تاريخ الشعب الآشوري فحسب. بل نرى أيضًا قدرة الإنسان على البقاء والتذكر ومواصلة الإبداع رغم الحزن والفقدان.

كما أصبح فن نهرين مالكيس جزءًا من جهود التوثيق التي تهدف إلى الحفاظ على المعرفة بتاريخ الشعب الآشوري. وقد نُشرت العديد من أعمالها الفنية المتعلقة بـ«سيفو» في كتابي «كفاح ناوم فايغ من أجل حقوق الشعب الآشوري». من خلال التفاعل بين النص والصورة، يتعمق الفهم للتجارب الإنسانية والحزن والقوة التي تميز قصص السيفو وتداعياته.

يجب أن يبقى الذاكرة حية من خلال القصص والبحوث والفن، ومن خلال إرادة الناس في نقل التاريخ إلى الأجيال القادمة. ويشكل عمل نهرين مالكيس الفني مساهمة مهمة في هذا المجال، ويذكرنا بأهمية عدم السماح أبدًا بمعاناة الناس أن تغرق في النسيان.

يونكوبينغ، يونيو 2026

نهرين مالكي – الفن