لم تكن الإبادة الجماعية في الإمبراطورية العثمانية مجرد جريمة تركية. فقد كانت ألمانيا تقف في الخلفية – حيث ساهمت بشكل فعال في صياغة الأفكار والقرارات التي مكنت من وقوع هذا العنف.

غالبًا ما يُوصف الإبادة الجماعية للأشوريين والأرمن واليونانيين البونتيين خلال الحرب العالمية الأولى بأنها جريمة ارتكبتها «لجنة الوحدة والتقدم» في الإمبراطورية العثمانية. وهذا صحيح في الأساس. لكنه ليس الحقيقة الكاملة. ففي ظل تلك الأحداث، كانت ألمانيا حاضرة – ليس كحليف سلبي، بل كطرف فاعل ساهم في تشكيل الأفكار والاستراتيجيات والقرارات التي مكنت من حدوث الإبادة الجماعية.

الجهاد – مشروع استراتيجي ألماني

عندما أعلنت الإمبراطورية العثمانية الجهاد في عام 1914، غالبًا ما يُصوَّر ذلك على أنه تعبير عن تعبئة دينية من الداخل. لكن الأبحاث تُظهر أن هذه التعبئة قد شجعتها ونظمتها ألمانيا إلى حد كبير. فقد طور الدبلوماسي الألماني ماكس فون أوبنهايم فكرة استخدام الجهاد كسلاح جيوسياسي ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا. كانت الاستراتيجية بسيطة: حث مسلمي العالم على الانتفاض ضد القوى الاستعمارية. لكن الأمر لم يقتصر على الأفكار. فقد أنشأت الدولة الألمانية في برلين مكتبًا دعائيًا خاصًا – Nachrichtenstelle für den Orient. وهناك تم إنتاج منشورات وكتيبات ومطبوعات تحث على الحرب المقدسة. حتى أن إحدى المجلات حملت اسم «الجهاد». طُبعت هذه المنشورات في برلين – على يد الألمان – ثم نُشرت في الإمبراطورية العثمانية. وصلت الرسالة إلى المساجد ومنابر الخطابة ومراكز السلطة المحلية. وبالتالي، لم يكن الجهاد مجرد مبادرة عثمانية. بل كان، في جوانب حاسمة، منتجاً مصدراً من قوة عظمى أوروبية.

عندما تكون للدعاية عواقب

لم يكن استخدام الدين كسلاح حرب في إمبراطورية متعددة الأعراق عملاً محايداً. بل كان مخاطرة متعمدة. ففي ظل وضع سياسي متوتر أصلاً، ساهمت خطاب الجهاد في تعزيز صورة الأقليات المسيحية كأعداء. فلم يصبح الأرمن والآشوريون واليونانيون مجرد مشاكل سياسية فحسب، بل أصبح من الممكن تصويرهم على أنهم تهديدات دينية. وقد أظهر مؤرخون مثل فاهكن دادريان كيف ساهمت هذه الخطابة في إضفاء الشرعية على العنف الجماعي. لم تخلق الإبادة الجماعية بمفردها – لكنها سهلت تنفيذها.

كانت ألمانيا على علم بذلك – واختارت عدم التحرك

إن أكثر ما يثير الشكوك في دور ألمانيا ليس فقط ما قامت به، بل ما اختارت ألا تفعله. فقد أبلغ الدبلوماسيون والمبشرون الألمان عن عمليات الترحيل الجماعي، و«مسيرات الجوع»، والقتل الجماعي. ووثق يوهانس ليبسيوس هذه الانتهاكات في الوقت الفعلي. ووصلت هذه المعلومات إلى القيادة الألمانية. ومع ذلك، لم تتخذ أي إجراءات. وفقاً للمؤرخ تانر أكشام، كان لدى ألمانيا كل من الرؤية والنفوذ. لكن الحكومة الألمانية اختارت إعطاء الأولوية للتحالف مع الإمبراطورية العثمانية على حساب أرواح المدنيين. لم يكن هذا تقاعساً. بل كان قراراً سياسياً.

المسؤولية المشتركة دون حكم قضائي

صحيح أن ألمانيا لا يمكن على الأرجح تحميلها المسؤولية القانونية بموجب القانون الدولي المعاصر. فلم يُعرَّف مفهوم الإبادة الجماعية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن معايير الإثبات المطلوبة لإثبات التحريض على ارتكابها صارمة. لكن القانون ليس المقياس الوحيد للمسؤولية.

عندما تقوم دولة ما:

  • تنتج دعاية تحرض على الحرب الدينية
  • تدعم نظامًا يرتكب جرائم قتل جماعي
  • ويمتنع عن التدخل عن قصد

في هذه الحالة، فإنها لا تكون طرفاً محايداً. بل تصبح جزءاً من المشكلة.

استنتاج غير مريح

لم تخطط ألمانيا للإبادة الجماعية. لكنها ساهمت في تمهيد الطريق لها. فمن خلال تطوير ونشر دعاية الجهاد من برلين، ومن خلال إعطاء الأولوية للجيوسياسية على حساب الأرواح البشرية، ومن خلال غض الطرف عن عمليات القتل الجماعي، أصبحت ألمانيا عاملاً مساعداً في ذلك. وفي حكم التاريخ، لا يكفي أن نسأل من الذي حمل السلاح. بل يجب أن نسأل أيضاً من الذي شحنه.